السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي

383

فقه الحدود والتعزيرات

ويعملوا بشرائعه . ثمّ إنّه قد ينشأ الحقّان معاً عن الجريمة الواحدة ، كما هو الحال في جريمة السرقة ، فإنّه ينشأ عنها حقّ للَّه تعالى وهو حقّ الجماعة في عقاب الجاني ، وحقّ للمجنيّ عليه في استرداد ماله المسروق أو أخذ مقابله . ومن المتّفق عليه أنّ جريمة القذف فيها حقّان : حقّ للَّه تعالى وحق للمقذوف ، ولكنّ الفقهاء يختلفون في أنّ أيّ الحقّين هو الأقوى بالبيان التالي : أ - إنّ أبا حنيفة يغلّب حقّ اللَّه على حقّ العبد ، ويجعل الجريمة متعلّقة بحقّ اللَّه تعالى ، وبالتالي فإنّ حدّ القذف عنده لا يورث ، لأنّ الإرث يجري في حقوق الناس في ما كان مالًا أو متّصلًا بالمال . وأيضاً ينتج قوله أنّه ليس للمقذوف أن يعفو عن القاذف بعد ثبوت الجريمة عليه ، فإن عفى كان عفوه باطلًا . ب - الشافعيّ وأحمد يغلّبان حقّ العبد على حقّ اللَّه ، لأنّ العبد في حاجة إلى حقّه أكثر من حاجة الجماعة إلى حقّها ، ونتيجة ذلك أنّه يورث ، وأيضاً للمقذوف أن يعفو عن القاذف إلى وقت إقامة الحدّ . وهذا قول بعض الحنفيّة أيضاً . ج - إنّ مالك يغلّب حقّ العبد قبل الشكوى ، ويغلّب حقّ اللَّه تعالى بعد الشكوى ، باعتبار أنّ حقّ الجماعة - الذي هو عبارة أخرى عن حقّ اللَّه - لا يبدأ في الظهور إلّا بعد الشكوى ، فإذا لم تكن شكوًى فلا حقّ إلّا حقّ الآدميّ ، وأمّا بعد الشكوى فيوجد حقّ الجماعة ، وهو حقّ اللَّه . ولهم في أمد العفو ثلاثة آراء ، وهي : أوّلها : أنّ العفو يصحّ إلى ما قبل بلوغه إلى الإمام ، فإذا لم يعف المقذوف وبلغ الحادث إليه فلا عفو بعده .